الرئيسية / متفرقات تاريخية / تـاريـخ منطقة بني يزنـاسن بيـن غيـاب التـوثيق ونـدرة المـراجـع
تـاريـخ منطقة بني يزنـاسن بيـن غيـاب التـوثيق ونـدرة المـراجـع
تـاريـخ منطقة بني يزنـاسن بيـن غيـاب التـوثيق ونـدرة المـراجـع

تـاريـخ منطقة بني يزنـاسن بيـن غيـاب التـوثيق ونـدرة المـراجـع

نحن أمام صورتين متقاطبيتن : الصورة الأولى تبين وجود كم كبير من الكتابات التاريخية متداول بين المؤرخين عن فاس مراكش، والصورة الثانية تبين غياب التوثيق المرتبط بتاريخ بني يزناسن رغم أن المنطقة كانت حاضرة في جميع المحطات السياسية الكبرى التي عرفها المغرب، وهذا إن دل على شيء فأنما يدل على أن التاريخ المنتسب إلى كل الفترات التاريخية الماضية التي عرفها المغرب وعلى مختلف المناطق الجغرافية التي كانت تشكل الدول التي تعاقبت على حكم المغرب لم يحضى بنفس التعامل من طرف حاشية السلطان التي كانت مكلفة بتوثيق الأحداث. انطلاقا من الوثائق القليلة المتوفرة حول منطقة بين يزناسن وانطلاقا من متن الوثائق التاريخية التي تنتظر فرصة النشر حول تاريخ بني يزناسن يتبين أن التاريخ يغفل حقائق مهمة ويركز على أحداث نخبوية قد لا تكون مهمة بالنسبة لعامة الناس.

إن التاريخ المعتمد على الوثيقة كيفما كان نوعها لا يخلو من مزالق متعددة، وأحيانا لا يخلو من تلفيق وتزوير، وهذا ماحصل مع منطقة بني يزناسن التي ألغيت من التاريخ القديم ولم تذكر إلا نذرة، وهذا مايبين أيضا أن الوثائق ليست دائما على بينة ولا على صدق.



ويكفي أن نعطي الأمثلة بالوثائق التي هي قريبة منا جدا في العصر الحديث فهل كل ما وثق حول الحروب في الشرق الأوسط يعد وثائق موضوعية ومحايدة وصحيحة؟ وهل يكون للباحثين الحق أمام هذا التعتيم التاريخي الذي تساهم فيه التكنولوجيا المتفوقة والمعاهد المتخصصة والقنوات الإعلامية الثرية والمغرضة أن يكرروا السؤال الكبير للمفكر عبد الله العروي ” أين مؤرخونا؟ لماذا لا يعيدون كتابة تاريخنا؟ ” (.الدكتور عبد الله العروي-مجمل تاريخ المغرب –المركز الثقافي العربي-الطبعة الخامسة – سنة 1996).

أين تاريخنا من زمن إنسان تافوغالت الذي عاش في غابر الأزمنة (محمد القبلي- تاريخ المغرب -منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب –الطبعة الأولى 2011 ) متفاعلا مع محيط الحضارة الإبيرومورية العميقة والخصبة والغنية و مرورا بما اقترح تسميته بالمراحل التاريخية البيضاء التي لم تنل حضها من التوثيق التاريخي ولم تحض بإهتمام المؤرخين؟.
أين هي أمارات الحضارات الإنسانية التي ربما تعرفت على منطقة بني زناسنية كحضارة الإغريق و حضارة الرومان وحضارة المورطانيين وحضارة الفينيقيين وحضارة القرطاجنيين ؟
و أين هي أمارات مرحلة الوندال السريعة؟.

كل هذه الحضارات الموغلة في القدم والتي سبقت الفتوحات الإسلامية كان لها – ربما- حضور في منطقة بني يزناسن، وكان لها تأثير لم ينجح الباحثون لحد الآن في الوصول إلى علاماته و في إبراز تجلياته بسبب قلة مصادر البحث، بل انعدامها، ولتوقف كل الحفريات الأركيولوجية بمنطقتنا التي أظهرت حماسا مؤقتا و عاشت عمرا قصيرا جدا ثم توقفت.

لم يبق هذا الخصاص المرتبط بمجال التوثيق مرتبطا بالفترات التاريخية التي سبقت عد التاريخ الميلادي و بعده، وبالفترات التي جاءت بعد بداية عد التاريخ الهجري، بل عرفتها فترة الإستعمار الفرنسي، ثم فترة ما بعد خروج الإستعمار الفرنسي.



من الأسباب التي لعبت دورا رئيسا في غياب التوثيق الرسمي بمنطقة بني يزناسن خلال فترات تولي الأسر الحاكمة مسؤولية البلاد: التهميش والإقصاء للمنطقة، هذا التهميش الذي كان منذ عهد الأدارسة واستمر حتى عهد العلويين، ومن الأدلة التي تعتبر برهانا قاطعا على هذا الاقصاء غياب الحديث عن المنطقة في كثير من المصادر القديمة حديثا مفصلا له مكانة تاريخية، كما أن مفهوم المدينة تأجل منذ القديم بجبال بين يزناسن رغم العمر الطويل الذي قطعه الانسان بهذه الجبال المأهولة.ورغم وجود ربما علامات ثقافية تدل على وجود تأثير بين الثقافة الزناسنية منذ زمن سحيق وباقي الثقافات الإنسانية ، هذا التأثير الذي يظهر غامضا في كثير من الأشكال الأنثروبولوجية العريقة ،ألم يقل بول ريكور : هناك “غيرية أصناف التاريخ الأخرى التي يتشابك معها تاريخي الخاص “( بول ريكور –بعد طول تأمل-ترجمة فؤاد مليت – دار العربية للعلوم –منشورات الإختلاف – المركز الثقافي العربي-الدارالبيضاء-الطبعة الأولى -2006) ففي تاريخ ساكنة بني يزناسن كثير من التواريخ الإنسانية المتنوعة والغنية والمتشابكة التي عبرت على تناسج ثقافي غامض ومغري و في أحيان كثيرة توقيفي.

إن الحضارات الإنسانية السابقة كانت لها مدن وسط الجبال وهذا الرأي أذكره هنا كي لا يكون حجة يتدرع بها من يقول أن منطقة بني يزناسن جبلية ووعرة ولا تساعد على بناء المدينة التي بها يزدهر التوثيق ، ألا توجد بمدشر أجدير/سيدي علي البكاي أقواس منحنية شبيهة بأقواس المدن القديمة ؟ ألا يتكلم الزنسينون عن قصر هنده ؟ ألم يبن مدشر الرسمة ومدرسته الدينية فوق قمة جبل؟.

لم تظهر بجبال بني يزناسن بوادر تأسيس مدينة مثل مدينة فاس ومدينة مراكش و مدينة مكناس و مدينة الرباط و مدينة سلا وغيرها، وظلت المنطقة على حالها عبارة عن مداشر وقرى وقبائل، مرة تتحارب ومرة تعلن الهدنة والإتحاد (فوانو ) / (الوكوتي ) كما عرفت المنطقة في الآونة الأخيرة خلال حكم المولى إسماعيل تأسيس مجموعة من القصبات( عبد الرحمان بن زيدان – المنزع اللطيف في مفخر المولى إسماعيل – تقديم وتحقيق-عبد الهادي التازي –الطبعة الأولى -1993-مطبعة ادريان-الدارالبيضاء ) التي لم تتحرك قيد أنملة عن الجدران التي تسيجها، ولم تتطور إلى مدينة بها عناصر الحضارة والتمدن ولها كتاب يهتمون بالتوثيق . لماذا ياترى ؟.

هذه العزلة الإجتماعية والثقافية والسياسية التي عاشتها “المداشير”الزناسنية أثرت على مستوى التوثيق الرسمي الذي كان بيد الدولة القوية والتي كانت في غالب الأحيان توجد بمدينة فاس أو بمدينة مراكش.
لقد كانت أغلبية الوثائق الرسمية قريبة من مركز الحكم وكانت تتجمع في المدن الكبيرة وكل ما تناقلته الكتب من وثائق توصلت بها بعض القبائل الزناسنية كان في إطار الإستسلام للعدو، و في إطار دفع الضرائب، و الإستعداد للحرب هذه هي الوثائق المهمة التي كانت تشغل الرأي العام داخل القبيلة ( انظر كل الوثائق الموجودة في كتاب Amalat oujda et للكاتب L.voinot ) ( محاضرة :عكاشة بن رحاب – محاضرة : “تجربة الكتابة في التاريخ المحلي، المنطقة الشرقية نموذجا –تنظيم منتدى إبداع وجمعية الشرق للتنمية والتواصل – دار القرب بركان – بتاريخ : 25-07-2015).

وإذا كانت الفترات التاريخية التي سبقت دخول فرنسا إلى المغرب قد تميزت بغياب التوثيق رغم تقدم المسلمين في هذا العلم (أنظر كتاب بيال عباس أحمد بن يحيي الونشريسي- المنهج الفائق والمنهل الرائق والمعنى اللائق بآداب الموثق وأحكام الوثائق- تأليف ودراسة وتحقيق عبد الرحمان بن محمود بن عبد الرحمان الأطرم- دارالبحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث – دبي – الأمارات) منذ دخولهم فاتحين شمال إفريقيا، فإنه في فترة الإستعمار سيعرف التوثيق انتعاشه قوية وهذا راجع أولا إلى بناء المدينة ، ففرنسا بدخولها إلى المغرب بادرت في بناء مجموعة من المدن الصغيرة كان من بينها مدينة بركان ، ولقد كانت فرنسا توثق كل منجزاتها العمرانية والثقافية والدينية بالصورة الفتوغرافية والشريط المصور وكذلك بالكتابات التي تدخل في باب المفكريات اليومية كمفكرة الفرنسية سيسيل لوبيز المرقونة بالآلة الطابعة ، وغيرها من الكتابات الأدبية و التاريخية لجنود فرنسيين حول مدينة بركان ورجال دين الذين فضل أصحابها الاحتفاظ بها ( مفكرة القس كرازيلي – مفكرة القس جوزيف ليبي ) علاوة على الوثائق العسكرية الفرنسية حول تاريخ مدينة بركان خاصة والمنطقة بني يزناسن عامة الموجودة داخل دولاب مغلق جيدا لا يقترب منه أحد من الباحثين ، و أعطيت له مهمة حفظ القضايا السرية والسيادية المرتبطة بزمن الحرب وزمن توسع فرنسا خارج أراضيها وحفظ كل ما كانت تقوم به فرنسا في مستعمراتها سواء كان ذلك في باب المفاوضات، أم كان في باب الإجرام والتجارب النووية والكيماوية ( عانى من صعوبة الوصول إلى الأرشيف المرتبط بالإستعمار بالمنطقة الخليفية وغيرها الباحث مصطفى بن الشريف أثناء إنجازه لرسالة الدكتوراه في موضوع:”الجرائم الدولية وحقوق الضحايا في التعويض: حالة حرب الريف ما بين 1921 و1926″بجامعة بربينيون فيا دوميتيا،).
غاب التوثيق عن ساكنة بيني يزناسن وإستفردت فرنسا بالرأي الأحادي في صياغة التاريخ القريب والبعيد؟.
أين هي الوثائق التي يمكنها أن تفند مثلا التاريخ الذي كتبه “لويس فوانو” حول منطقة بني يزناسن؟.

فرنسا قبل نزولها حركت مصورة الكرافستوري التي كانت تمسح المنطقة مسحا شاملا في القرن الثامن عشر فيما مصورة “برزال” رحمه الله لم تلتقط الصورة الشمسية إلا في سنة 1956 وكانت تشتغل في مدار ضيق هو “الفلاج / مدينة بركان” وفي قضايا ترفيهية محضة ،فرنسا نجرت قلم العقيد “فوانو” منذ القرن الثامن عشر لقد نجر العقل الكولونيالي مجموعة من االأقلام من غير فوانو التي كانت لها مهمة الإكتشاف والتعريف بساكنة المغرب الأقصى وتشكلاته القبلية وطرائق عيشه من مثل: إدمون دوتي، ألفريد لوشاتليي، جورج سالمون، ميشوبلير و أوجست مولييراس فيما القلام المحلية عندنا كقدور الورطاسي ومعي وشاطر وعبد الله الوكوتي لم تغطس في الحبر الساعي نحو التوثيق حتى الأربعينات وكانت مهمته محدودة جدا ولم تترك وثائق مهمة بحجم فرنسا.

فرنسا قوة على الأرض بالسلاح وقوة إستراتيجية تشتغل على الوثائق والدراسات الإثنوغرافية والأثروبولوجية.

للأسف الشديد أن منطقتنا عانت منذ القديم من الحيف ولم ينصفها حتى رائد عالم الإجتماع “إبن خلدون” في كتابه العظيم “العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”.
الدكتور عز الدين البدري

شاهد أيضاً

"وعـدة" أولاد منصور بالسعيدية إقليم بركان.. موسم ثقافي يبرز أصالة قبيلة أولاد منصور

“وعـدة” أولاد منصور بالسعيدية إقليم بركان.. موسم ثقافي يبرز أصالة قبيلة أولاد منصور

من العادات المعروفة والمتوارثة في المجتمع المغربي ما يسمى “الوعدة” وهي عبارة عن تجمع سنوي …

شهامة ورجولة بني يزناسن في معركة إيسلي

في سنة 1830 استطاعت قوات الاحتلال الفرنسي بسط يديها على التراب الجزائري هذا الخبر ارق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *